غالبًا ما يحصر الناس كلمة ليتورجية في ترتيب الصلوات والخِدَم، إلَّا أنَّ معناها ليس تنظيميًّا فقط، بل هو أعمق بكثير من ذلك. الكلمة يونانيَّة (λειτουργία) leitourgía مركَّبة من laós (λαός) أي الشعب، و (ἔργον) érgon أي العمل أو الخدمة، فتصبح بذلك خدمة يقوم بها الشعب، أو الخدمة العامَّة للشعب. حتَّى في القديم، كان مصطلح «liturgiste» من اليونانيَّة (λειτουργός) leitourgós يشير إلى شخص يؤدِّي خدمة عامَّة للمدينة وللشعب، غالبًا ما تكون على نفقته الخاصَّة.
لذلك، ليس من الغريب أن تتبنَّى الكنيسة هذه الكلمة لتشير إلى أمرين رئيسين: الأوَّل: عمل الإنسان الدائم والمستمرُّ، أي الجهاد الحسن للقداسة. أي أن يعيش الصلوات لا أن يردِّدها ببَّغائيًّا أو يتمتمها شفهيًّا فقط أو ينطرب بها لحنًا وينتشي بالكلمات، بل هي عيش واتِّحاد مع الكائن المعطي الحياة والكاهن الأوَّل والأعظم، الربّ يسوع المسيح، الَّذي حمل خطايانا على عاتقه مجَّانًا وفدانا بدمه، وهو المصلِّي الأوَّل الَّذي علَّمنا كيف نصلِّي وكيف نعيش الصلاة. وهنا يأتي الأمر الثاني: صلواتنا كلُّها تتمحور حول الربِّ يسوع المسيح، لأنَّه البداية والهدف.
انطلاقًا من المعنى الأصليِّ لكلمة ليتورجية، نجد أنَّها تشمل كلَّ مسار حياتنا وكلَّ ما نفعله، أينما كنَّا وأيًّا كان موقعنا أو عملنا. يقول القدِّيس سيرافيم ساروفسكي إنَّ الصلوات والخدمات الكنسيَّة ليست هدفًا بحدِّ ذاتها، بل هي وسائل لنتَّحد بالربِّ يسوع المسيح ونمتلئ من الروح القدس. هي مسار حياة.
من الناحية التنظيميَّة، تبدأ سنتنا الليتورجيَّة في اليوم الأوَّل من شهر أيلول، وتتوالى فيها الأعياد، وتُفتح الكتب الطقسيَّة، وتُنشد الألحان، وتُقام السهرانيَّات بترتيب محدَّد. ويبقى الهدف الأسمى هو التوبة الصادقة والتواضع، وترجمة ما نمارسه إلى عيش وعلاقة مع الربِّ والآخر، ولادة جديدة بالربّ، فيصبح كلام الربِّ دستورنا ومرجعنا ومعيارنا.
يُعرف يوم رأس السنة الكنسيَّة أيضًا باسم Indiction (Ἰνδικτιών)، وهي كلمة يونانيَّة تعني «الدورة cycle» أو «التحديد»، وتشير إلى التقويم الإداريِّ الرومانيِّ حيث كانت تُحدَّد الضرائب على فترة 15 سنة.
كما أنَّ اليوم الأوَّل من أيلول أصبح يوم الصلاة من أجل الخليقة منذ إعلان البطريرك الأرثوذكسيِّ المسكونيِّ ديمتريوس الأوَّل في العام 1989م. فحياتنا على الأرض هي تحقيق لمشيئة الربِّ كما نصلِّي في الصلاة «أبانا الَّذي في السماوات»، أي إنَّنا نحقِّق ملكوته على الأرض بحسب مشيئته، فيتقدَّس اسم الربِّ من خلال أعمالنا وحياتنا. وعندما نتحدَّث عن الخليقة، فإنَّنا نعني كلَّ الخليقة بما فيها العالم الحيوانيُّ والطبيعة. المؤمن الحقيقيُّ يسعى إلى تحقيق البعد الإفخاريستيِّ – سرِّ الشكر الإلهيِّ – في الخليقة.
عاد وتبنَّى المجلس العالميُّ لكنائس المسيح (WCC)الأمر، ودعا إلى الاحتفال الموسَّع بما يُعرف باسم «موسم الخليقة» من 1 أيلول وحتَّى 4 تشرين الأوَّل. كذلك فعلت الكنيسة الكاثوليكيَّة رسميًّا وكثَّفت مشاركتها في هذا الموسم منذ عام 2015، بعد أن أعلن البابا فرنسيس عن اليوم العالميِّ للصلاة من أجل العناية بالخلق.
نعم، هناك علاقة وطيدة بين الإنسان والله والطبيعة، كلِّ الخلق، وهناك دعوة للاستيقاظ الروحيِّ والعناية به. هذا الأمر واضح منذ اللحظة الأولى للخلق، فالربُّ خلق كلَّ شيء حسنًا لخدمة الإنسان، ثمَّ خلقه وكلَّفه برعاية كلِّ الخليقة: «وجبَلَ الربُّ الإله من الأرض كلَّ حيوانات البرِّيَّة وكلَّ طيور السماء، فأحضرَها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكلُّ ما دعا به آدمُ ذاتَ نفس حيَّةٍ فهو اسمُها» (تكوين 2: 19).
أمَّا ما قاله الربُّ لآدم وحوَّاء بعد أن باركهم: «أَثمِرُوا واكثُروا واملأوا الأرض، وأَخضِعوها، وتسلَّطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كلِّ حيوان يدبُّ على الأرض» (تكوين 1: 28)، فيجب أن يُفهم على أنَّه سلطة نابعة من الربِّ، أي إنَّها سلطة محبَّة وأبويَّة ومسؤوليَّة وليست سيطرة أو تخريبًا. كما يجب ألَّا ننسى أنَّ الحيوانات والأشجار والنباتات هي كائنات حيَّة تفيد الإنسان أيضًا. فكلُّ تزعزُع في علاقتنا مع الربّ ينتج عنه أضرار مدمّرة على الخليقة كلِّها، ونتيجة لذلك تختفي المحبَّة ويغيب العدل ولا يكون هناك سلام بعد (إشعياء 32).
وعندما يقول الكتاب المقدّس بأنَّ الربَّ رأى أنَّ كلَّ ما خلقه «حسن»، فهذا يعني أنَّه جيِّد، صالح، جميل، مناسب، مفيد، أي (καλός) kalós بالترجمة اليونانيَّة السبعينيَّة و«طَيِّب» بالعبريَّة. فهناك أمر متناسق ضمن نظام كونيٍّ وذو فائدة، لأنَّ المعنيَّ ليس جمالًا شكليًّا بل هو عميق، فالكلمة في الأصل تعني الجميل والمفيد (beau et bon).
حياة القدِّيسين مليئة باهتمامهم بالخلق، سواء أكان بالحيوانات أم بالطبيعة، وهذا ما نقرأه بوضوح في سفر الأمثال: «الصدِّيق يراعي نفس بهيمته، أمَّا مراحم الأشرار فقاسية» (أمثال 12: 10).
منذ البداية، نحن مدعوُّون إلى عيش كونٍ سلاميٍّ كاستباق لملكوت الله، وصورة السلام الشامل يذكرها النبيُّ إشعياء بوضوح تامٍّ، حيث تمتلئ الأرض من معرفة الربِّ (إشعياء 11: 6-9)، وهذا ما نصلِّي من أجله في طلبتنا السلاميَّة: «بسلام إلى الربِّ نطلب».
أمام كلِّ ما ذكر أعلاه، نحن البشر مسؤولون عن تحقيق مشيئة الربّ على الأرض وفي الخليقة كلِّها. وما أجمل مشهد ولادة الربّ المخلِّص في مذود البهائم بين حيوانين[1] حيث نرى الربَّ الخالق يسوع المسيح الَّذي أصبح إنسانًا وبقي إلهًا طبعًا، والإنسان، أي والدة الإله وخطِّيبها يوسف والرعيان والمجوس، والثور والحمار كلُّهم مجموعون في مغارة ينطلق منها نور الخلاص إلى العالم أجمع مبدِّدًا كلَّ ظلمة. هذا هو العالم السلاميُّ الَّذي نتوق إليه.
إلى الربِّ نطلب.
[1] . «في وسط حيوانين ستُعرف» (حبقوق 3: 2) الترجمة السبعينية.
















































